ابراهيم بن عمر البقاعي

362

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان استثناؤهم مفهما إنجاءهم مع التجويز لإرسال شيء عليهم غير مقيد بما ذكر ، قال مستأنفا جوابا لمن كأنه قال : ما حالهم : نَجَّيْناهُمْ أي تنجية عظيمة بالتدريج ، وذكر أول الشروع لإنجاءهم فقال : بِسَحَرٍ * أي بآخر ليلة من الليالي وهي التي عذب فيها قومه ، فكأن تنكيره لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها ، ولو قصدت سحر الليلة التي صبحت منها كان معرفة لا ينصرف ، والسحر : السدس الأخير من الليل : الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا سيما النساء والأطفال في غاية الغفلة بالاستغراق في النوم ، ويفتح اللّه فيها أبواب السماء باذن الدعاء ليحصل منه الإجابة لأن الملوك إذا فتحوا أبوابهم كان ذلك إذنا للناس في الدخول لقضاء الحوائج ، فالنزول وفتح الأبواب كناية عن ذلك - واللّه سبحانه وتعالى متعال عن حاجة إلى نزول أو فتح باب أو غير ذلك . ولما كان المراد من الموعظين الطاعة التي هي سبب النجاة ، فلذا قال ذاكرا للإنعام معبرا عنه بغاية المقصود منه معرفا أن انتقامه عدل ومعافاته فضل ، لأن أحدا لا يقدر أن يكافىء نعمه ولا نعمة منها ، معللا للنجاة : نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي عظيمة غريبة جدا لشكرهم ، ولما كان كأنه قيل : هل هذا مختص بهم . . . الإنجاء من بين الظالمين وهو مختص بهم ، أجاب بقوله : كَذلِكَ أي مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلنا جزاء لهم نَجْزِي بقدرتنا وعظمتنا مَنْ شَكَرَ * أي أوقع الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس . . . بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كائنا من كان من سوقة أو سلطان جائر شجاع أو جبان ، فإننا عليه بالإنجاء بعد هلاك عدوه ، قال القشيري : والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع ، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من الاحتباك : ذكر الإنعام أولا - لأنه السبب الحقيقي - دليلا على حذفه ثانيا ، والشكر ثانيا - لأنه السبب الظاهر - دليلا على حذفه أولا . ولما كان التقدير دفعا لعناد . . . استشراف السامع إلى ما كان من حاله صلّى اللّه عليه وسلّم معهم قبل العذاب : لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ودعائهم إلينا صرفا لما أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه ، عطف عليه إيماء إليه قوله ، مؤكدا لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة في موجبه يكاد أن لا يصدق : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ أي رسولنا لوط عليه السّلام بَطْشَتَنا أي أخذتنا لهم المقرونة بشدة ما لنا من العظمة ، ووحد إشارة إلى أنه لا يستهان بشيء من عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة كافية لما لنا من العظمة فهي غير محتاجة إلى التثنية ، ودل على أن إنذاره كان جديرا بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما سبب عن ذلك من قوله : فَتَمارَوْا أي تكلفوا الشك الواهي